منذُ عصر سيبويه إمام النحاة العرب وربّما قبله ودرسُ اللغة يحتفي بمثالٍ مُكَرّر هو (ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا). مَنْ مِنّا لمْ يكتب في دفتره وفي درس النحو مثلا (ضربَ زَيْدٌ عَمْرًا) باعتباره مثالا عَنْ تعدّي الفعل أو رفع الفاعل أو نصب المَفعول أو عن غيرها من القواعد والأفكار النحويّة ؟ بل ربّما تطوّر النظر إلى المسائل ذاتها في الجامعة، ويظلّ المثال نفسه.

فلماذا يصمد المثال عبر العصور في الدرس النحويّ والبلاغيّ وحتّى اللساني الحديث؟ وهل صحيح أنّ ثبات هذا المثال دليلٌ عَلى أنّ حضارتنا العربيّة حضارة تحتفي بالعنف فتبني منه الأمثال؟ لمَ لمْ نقل: (أحبَّ زيْدٌ هندًا) وهو مثال يستجيب للمقاييس نفسها ويعلّم الحُبَّ بدلَ الضَّرْبِ؟ وهل إنّ هذا المثال لا يصلح بيداغوجيا وتربويّا في مؤسسات التعليم لأنّه يحرّض على العنف وقد يكون من مُلهمات ثقافة الاستبداد ومن مُغَذّيات عقليّة الإرهاب؟
قبل أن نجيب على السؤال في العنوان وعلى ما يرتبط به من قضايا نحوية ولسانية وثقافية نشير، كي نغلق باب التأويل المذموم، إلى أنّ المطّلعين على كتب النّحو الفرنسي أو النحو الإنكليزي يجدون تقريبا المثال نفسه ولكن بتغيير الأسماء فبدلا من زيد سيجدون (جان ) وبدلا من عمرو سيجدون (بول) أي في ما تعريبه (جان ضرب بول)، وإلى اليوم يستعمل اللسانيوّن المثال نفسه الذي لا يختلف في جوهره عن مثالنا العربي؛ وهذا يعني أنّ ثقافتنا العالمة بريئة من أن تشرّع للعنف بهذا المثال. يسمّي علماء اللسان (ضرب زيد عمرا) بالمثال اللغوي الصناعي ويعنون به أنّ النحويّ أو البلاغي أو اللساني أو المدرّس يصطنعه ليمثّل به ظاهرة لغوية معيّنة. والمثال الصناعي هو مقابل ضديد للمثال الحقيقيّ المستمدّ من الرّاقي أو اليوميّ (في اللسانيّات) والمسمّى شَاهدا؛ والمثال الصناعي أكثر تداولا وأبسط تناولا من جهة التمثيل وهو أوضح لاحتوائه العناصر الأساسية المُرَادَة. واصطناع الأمثلة يجعل اللساني أو المدرّس حُرّا في اختيارها، فلماذا إذن ثبّتَ الناس هذا المثال وظل (زيد يضرب عمرا) قرونا؟