لطرازيّة في كون الفعل محسوسا والمحسوس مدركا قبل المجرّد أمرٌ مؤكّد بالتجربة لأنّ أقرب الأفعال من إدراكنا هي تلك التي نتلقاها بملتقِطَات الحَواسّ لدينا؛ فمن اليسير أن نُعَايِنَ بالبصر مَشْهدا فيه يضرب شخص شخصا آخر وأن نحدّد في ذلك المشهد مَنِ المُؤثِّر بذلك الفعل ومن المُتأثّر. حين ننقل المشهد باللغة سنبنيه بطريقتنا ويُسمّى نقل المشهد بناء الوضعيّة. في (ضَرَبَ زيْدٌ عَمْراً) بناء للوضعيّة بطريقة موضوعيّة فلا نتدخّل فيها بمشاعرنا لنقول (عَنَّفَ زيْدٌ عَمْرًا) أو نخصّصها فنقول (صفَعَ زيْدٌ عَمْرًا) ففي هاتين الحالتين ننقل الفعل لا بالحياد ولا بالتعميم المطلوبين من المثال في سياق تعليمي. في ضرب (زيد عمرا) حياد في الكلام وتعميم والحياد والتعميم طرازيّان في نقل الوضعيّات وبنائها. لكن لمَ لمْ يكن المثال (ضرب رَجُلٌ رَجُلاً) وعندئذ يكون من ينقل الحدث متجرّدا من معرفته بالطرفين إدراكيا؟

يمكن أن يمثّل ذلك درجة محايدة جدا في نقل الكلام إذ يوفّر التنكير الجهْلَ بهويّة الضارب والمضروب. لكنّ هذا الضرب من النقل المفرط في الحياد غير مطلوب لأنّ البناء الإدراكي المثالي لوضعيّة يتطلب استيفاء أدنى شروطها الضرورية والكافية وهي تعيينٌ أدنى لهُويّة الكَيانات المُدْرَكة، فـ(زيد) و(عمرو) اللذان لا نعرفهما نحنُ يعرفهما مَنْ بَنَى المشهدَ بدليل أنّه سَمّاهما ومادام هو يعرفهما فنحن بالضرورة نعرفهما حتى على وجه الافتراض أو الانتظار؛ وليس الأمر هُوَ هُوَ في (رجل) النّكرة المكرّرة فلا المتكلم يعرفهما ولا نحن أيْ مَنْ يستمع إليه نعرفهما ؛ كلانا سيبني الوضعية أو المشهد المُدْرَكَ على ركنين مَجهُوليْن أو غامضين.
في درس اللغة نحوا أكان الدرس أم بلاغة يتعامل المتعلّمون بالأمثلة الصناعيّة تعاملا إدراكيا لا يُلغي دلالتها التصوريّة المباشرة إلغاء كاملا كما نعتقد؛ هم يُعيدون شحنها بدلالة جديدة تكون خُطَاطيَّة فتفقد الدلالة القديمة بعض آثارها الخصوصيّة ليكون (ضرب) دالاّ على إيقاع فعل حسّيّ من نوع ما بواسطة مؤثّر (زيد) على متأثّر (عمرو). هذه الدلالة يمكن أن تكون مفيدة في درس الفعل المتعدّي في النحو أو درس المعنى الحقيقي والمجازي في البلاغة أو في درس يُعرف في النحو التوليديّ باسم الرأس المُعْجَمِيّ وفي درس يعرف في اللسانيات العرفانية بالمَحْمُول العَلاقي.. وفي هذه الدروس جميعا يصبح لـ(زيد) ولـ(عمرو) دلالات مجرّدة أو ذهنية صالحة لأن تؤدّي وظائفها فيها؛ وسيكون الذهن مستأنسا بدلالتها تلك منشغلا عن التفاصيل الدلالية القديمة التي في ضرب وفي زيد وفي عمرو.